ابن خلدون

185

تاريخ ابن خلدون

لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب وتقبض على قائدهم بيرنيس ونجا يغمراسن بن زيان في فله مدافعا دونه إلى تلمسان ومر بفساطيطه فأضرمها نارا وانتهب معسكره واستبيحت حرمه وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأصرع بالتراب أسوارها وألصق بالرغام جدرانها ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الأيدي في ساحتها بالنهب والعيث وشن الغارات على البسائط فاكتسحها سبيا ونسفها نسفا وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساى وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخباره مذكورة وكان مهلكه في شوال من هذه السنة ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوى أمير بنى توجين ومستصرخه على بنى عبد الواد لما نال منه يغمراسن من طبخ القهر وذل الغلب والنحيف في كافة قبيله مباهيا بآلته فأكرم السلطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه واتخاذ رتبة السلاح لمباهاته وأقام محاصر التلمسان معه أياما حتى وقع اليأس وامتنع البلد واشتد شوكة حاميته ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الافراج عنها وأشار على الأمير محمد بن عبد القوى وقومه بالقفول قبل قفوله وأن يغذوا السير إلى بلادهم وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم من المائة من المقربات بمراكبها وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالخلع مع الصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط وحملهم على الظهر وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريس حذرا من غائلة يغمراسن من انتهاز الفرصة فيهم ثم دخل إلى فاس ودخلها مفتتح احدى وسبعين وهلك ولده الأمير أبو مالك ولى عهده لأيام من مقدمه فأسف لمهلكه ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب وكان في غزوته هذه ملك حصن تاونت وهو معقل مطغرة وشحنه بالأقوات لما رآه ثغرا مجاورا لعدوه وأسلمه لنظر هارون بن ؟ ؟ شيخ مطغرة ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه وأقام هارون بحصن تاونت ودعا لنفسه ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن واستلمه سنة خمس وسبعين ولحق بالسلطان أبى يوسف كما ذكرناه في أخباره عند ذكر قبيلة مطغرة وكان من شأنه ما ذكرناه { الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الإتاوة عليهم وما قارن ذلك من الاحداث } كانت هاتان المدينتان سبته وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرفأ الأساطيل ودار الانشاء الآلات التجرية وفرضة الجواز إلى الجهاد فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بنى عبد المؤمن وقد ذكرنا